تريليثون بعلبك (Trilithon of Baalbek) كيف نقلت الحجارة العملاقة التي تزن آلاف الأطنان؟

في مدينة بعلبك اللبنانية، توجد مجموعة من الأحجار التي جعلت الحديث عن العمارة الرومانية أكثر تعقيدا مما تم نشره في الكتب والصور السياحية. هذه الأحجار هي عبارة عن الكتل الحجرية الضخمة تشكل جزء من معبد جوبيتر، وأشهرها الكتل متجاورة التي عرفت باسم التريليثون (Trilithon). [1]

صحيح أننا نعرف الكثير عن براعة الرومان في البناء، لكن حجم هذه الصخور يتجاوز كل توقعات، فوزن أكبرها يتجاوز 800 طن والتي تضم 24 كتلة ضخمة. أما كتل التريليثون نفسها، فتم تقدير وزن الواحدة منها حوالي ألف طن أو أكثر،.مع أبعاد هائلة تقارب 19 مترا طولا في بعض القياسات. [1][4]

والمتاح لدينا اليوم هو مجرد خطوط عريضة وفرضيات، وليس إجابة كاملة التي تشرح كيف تمكنو من نقل ورفع هذه حجار الضخمة من دون أي من آليات المتواجدة في عصرنا الحديث.

ومن هنا يظهر السؤال الذي جعل بعلبك موضوعا دائما للنقاش: كيف تمكن القدماء من استخراج هذه الكتل ونقلها ووضعها في هذا الموقع دون الرافعات والمحركات التي نعرفها اليوم؟

حجارة بالبيك العملاقة (Trilithon of Baalbek) لغز أطنان الحجر الجيري المعلقة وهندسة النقل المستحيل

بعلبك قبل المعبد الروماني

لقد كانت منطقة بعلبك مرتبطة بتقاليد دينية أقدم ولم تبدأ قصتها مع الرومان من الصفر، فلقد عرفت في العصر الهلنستي باسم هليوبوليس (Heliopolis) أي "مدينة الشمس". وعندما أصبحت المنطقة جزء من العالم الروماني بدأ تطور الموقع تدريجيا إلى مجمع ديني هائل ارتبط بالثالوث الهليوبوليتي: جوبيتر وفينوس وميركوري. [1].

وتشير اليونسكو إلى أن المنشأت الرومانية أقيمت فوق المنشأت أقدم، وأن تطوير في المنطقة استمر لأكثر من قرنين. ومنها نفهم ان بعلبك لم تكن مشروعا صغير تم تشيدوه في عهد إمبراطور واحد. بل هو موقع معماري تم تطويره على مراحل طويلة من الزمن. [1][2].

أما معبد جوبيتر، فتشير وثائق اليونسكو و ICOMOS إلى أن أعمال بنائه بدأت في العصر أوغسطي، واقترب المعبد من اكتمال في حوالي  عام 60م في عهد نيرون، بينما استمرت أعمال أخرى بعد ذلك لسنوات طويلة. [2]. لذلك لا تعتقد ان بعلبك بني كمبنى واحد و له تاريخ بناء محدد، بل هو مشروع ضخم امتد عبر أجيال.


ما هو التريليثون؟

التريليثون هو الاسم الذي يطلق على ثلاث كتل حجرية ضخمة موضوعة ضمن الجدار الغربي لمنصة معبد جوبيتر. [1][4]، ولقد أشارت القياسات المنشورة على بعض المصادر إلى أن الكتل الثلاث يبلغ طول كل منها نحو 19 متر، بينما يصل ارتفاعها وسمكها إلى عدة أمتار. وتم تقدير وزن الكتلة واحدة قدر بألف طن او أكثر حسب بعض المصادر. [4]

لكن من المهم انتباه إلى أن أرقام ليست قياسات مباشرة، بل تقديرات تعتمد على أبعاد الكتلة وكثافة الحجر. ولهذا يمكن أن تختلف الأرقام من مصدر إلى آخر. ويجب الحذر من بعض معلومات المنتشرة على الإنترنت، والتي تتحدث أحيانا عن حجر يزن رقما محددا بدقة شديدة وكأن قياسه معروف بشكل نهائي.


من أين جاءت هذه الأحجار؟

بعد البحث في الموقع تم العثور على محاجر تحتوي على كتل حجرية ضخمة وذلك على بعد مسافة قصيرة من الموقع، وهذه الكتل حجرية لم تنقل. ومن أشهر هذه الكتل ما يعرف اليوم باسم حجر الحبلى (Stone of the Pregnant Woman). ولذلك فهو يقدم دليلا على أن البنائين في بعلبك كانوا يعملون مع كتل هائلة منذ مرحلة استخراج الحجر.


هل كان الرومان قادرين على تحريك أوزان هائلة؟

من الخطأ اعتقاد بأن العالم الروماني كان يفتقر إلى تقنيات التعامل مع الأحمال الثقيلة. فلقد كان المهندسون القدماء يمتلكون مجموعة من الوسائل الميكانيكية التي تساعد في رفع وتحريك أحمال الكبيرة وذلك بإستخدام رافعات، والبكرات، والحبال وآليات السحب. [3]

كما قدم المهندس الروماني فيتروفيوس وصفا مفصلا لعدد من آلات الرفع التي تعتمد على البكرات والحبال. كما قدم وصفا للألات متعددة البكرات مخصصة التي تتعامل مع الأوزان الثقيلة. [3]. 

كما أن المهندسين القدماء لم يكونوا مضطرين إلى رفع الكتلة بالكامل في الهواء في كل مرحلة. وهذه نقطة مهمة جدً.

فعند التعامل مع جسم ثقيل للغاية، يمكن أن يكون سحبه أو دفعه أو تحريكه تدريجيا على سطح ناعم أكثر واقعية من محاولة رفعه، لهذا السبب لا تحتاج عملية نقل حجر ضخم بالضرورة إلى رافعة تستطيع "حمل ألف طن". بل يمكن أن تعتمد العملية على سلسلة طويلة من الخطوات الصغيرة مثل: تحريك، تثبيت، رفع جزئي، وضع دعامات، تغيير نقطة الارتكاز، ثم تكرار العملية.

لكن سؤال الذي يطرح نفسه هل استخدمو هذه الطريقة في التريليثون؟ هنا تبدأ المنطقة التي لا نستطيع فيها تقديم إجابة قاطعة.


ما الذي نعرفه عن تقنيات الرفع الرومانية؟

كل ما نعرفه من المصادر الهندسية القديمة أن الرومان استخدموا أنظمة معقدة نسبيا تعتمد على الحبال والبكرات والرافعات.

يصف لنا فيتروفيوس في كتابه العاشر عن العمارة، عن الات رفع الأوزان، ويشرح كيف يمكن استخدام مجموعات من البكرات مع الحبال والمحاور للحصول على قوة أكبر. كما يذكر آلة Polyspaston، وهي آلة تعتمد على عدد كبير من البكرات لتسهيل رفع الأوزان. [3]

حجارة بالبيك العملاقة (Trilithon of Baalbek) لغز أطنان الحجر الجيري المعلقة وهندسة النقل المستحيل

وهذا يثبت شيئا مهما وهو ان العالم الروماني كان يعرف مبادئ ميكانيكية متقدمة نسبيا بالنسبة لعصره. لكن ذلك لا يعني أن رافعة رومانية عادية كانت تستطيع ببساطة رفع كتلة وزنها ألف طن.

على العكس، كلما زاد الوزن أصبحت هناك مشاكل أخرى مثل قوة الحبال، صلابة أخشاب، وثبات قاعدة الرافعة. وبجمع كل هذه العوامل بإضافة الى حجم الحجر فإن احتمال انهيار المنظومة بأكملها كبير جدا. لذلك من المحتمل أن تكون هندسة الموقع نفسه جزء من الحل، وليس مجرد استخدام رافعة عملاقة.


ربما كان المنحدر أهم من الرافعة

يمكن للمنحدرات أن تقلل الحاجة إلى الرفع العمودي، بينما تسمح الدعامات بتثبيت الكتلة خلال مراحل الحركة. ويمكن استخدام روافع لتحريكها مسافات قصيرة جد قبل إعادة ترتيب دعامات. هنا نحن لا نملك دليلا يثبت أن هذا هو السيناريو الذي حدث في بعلبك، لكنه يتوافق مع مبادئ المعروفة في تعامل مع أحمال الكبيرة. [3]


هل احتاج البناء إلى آلاف العمال؟

كما قلنا سابقا الامر لم يتم في عهد امبراطور واحد بل تم تشيده على عدة قرون، وبطبيعة الحال مشروع ضخم كهذا ربما احتاج إلى قوة بشرية وحيوانية كبيرة، لكن لا يمكننا تحديد عدد العمال الذين شاركوا في نقل كتلة واحدة من هذه الحجارة. والمشكلة الأساسية هي كيف تم تحويل القوة البشرية والحيوانية إلى حركة يمكن التحكم فيها لنقل كتلة ضخمة جدا من حجارة؟؟


ماذا عن فكرة التكنولوجيا المفقودة؟

يقال أحيانا إن الحضارة القديمة امتلكت تقنية متقدمة جداا على عصرنا الحالي مثل ما يروى في بناء اهرامات المصرية. وهذه التكنولوجيا اختفت لاحقا او تم تستر عنها. لكن المشكلة أن هذا التفسير لا تدعمه أدلة مباشرة.


نحن لا نحتاج إلى افتراض وجود تقنية خارقة لمجرد أن العملية صعبة. فالحضارات القديمة امتلكت وقتا طويلا، وعددا كبيرا من العمال لذلك فإن الموقف الأكثر تحفظا هو القول إن بعض تفاصيل العملية ما زالت مجهولة، وليس الجزم أن تقنية سرية متقدمة كانت موجودة ثم اختفت فقط لاننا لا نعرف كيف فعلو هذا.


لماذا تبدو المسألة أصعب بالنسبة لنا اليوم؟

ببساطة لأننا إعتدنا تفكير عند البناء بإستخدام رافعات والشاحنات والمعدات الهيدروليكية. فاليوم إذا أردنا نقل جسم يزن مئات الأطنان، سنفكر مباشرة في استخدام معدات مصممة لهذا الغرض. أما البناء القديم فكان يعمل بطريقة مختلفة تماما.

كان لديه وقت أطول، ومواد أبسط، اي انه قد يستغرق تحريك كتلة مسافة قصيرة وقتا طويلا لتثبت في مكانها. ويعاد بناء المنحدر أو تغيير موضع الرافعة، ثم تستأنف العملية من جديد. وهذه العملية التي تأخذ ايام وشهور في ذاك العصر، الذي يتم إنجازه اليوم خلال ساعات أو أيام.


ماذا حدث للمجمع بعد العصر الروماني؟

تعرض الموقع لأضرار وتغيرت وظائف أجزاء منه خلال العصور اللاحقة، كما أعيد استخدام بعض عناصره في فترات مختلفة. وفي العصور الحديثة وعند بدأ اهتمام بالعالم أثري بدأ اهتمام بالموقع يتزايد، وأصبحت بعلبك موضوع لدراسات وحفريات أثرية بدل أن تبقى مجرد أطلال محاطة بالروايات. [1]


إذن، كيف نقلوا التريليثون؟

حتى الآن، لا توجد إجابة نهائية، ولا نملك اي شيء موثق. لكن لدينا مجموعة من الحقائق:

  • الكتل موجودة فعلا في المنصة. [1]
  • وزنها ضخم للغاية، وتختلف تقديرات الوزن بحسب المصدر وطريقة الحساب. [1][4]
  • الرومان امتلكوا تقنيات متطورة نسبيا في الرفع والنقل والبناء. [3]
  • استخدم العالم القديم المنحدرات والبكرات والروافع ووسائل مختلفة للتعامل مع الأحمال. [3]
  • كان لدى الإمبراطورية الرومانية قدرة كبيرة على تنظيم العمال والموارد.
  • لا توجد وثيقة معروفة تشرح بالتفصيل عملية وضع كتل التريليثون نفسها.

لذلك تبقى التفاصيل الدقيقة للعملية موضع نقاش.

وهذه النقطة الأخيرة ليست عيبًا في القصة، بل هي ما يجعل قصة بعلبك وحجارة التريليثون مثيرة للاهتمام.


الخلاصة

تريليثون بعلبك ليس لغز لأننا لا نستطيع تخيل طريقة لتحريك حجر ضخم، بل لأن الدليل المباشر الذي يشرح لنا الطريقة التي استخدمها البناؤون في هذا الموقع تحديد غير مكتمل.

نعرف الكثير عن العمارة الرومانية، ونعرف أن المهندسين القدماء امتلكوا الرافعات والبكرات والروافع ووسائل مختلفة للتعامل مع الأحمال الثقيلة. [3] لكننا لا نملك مخططا رومانيا يشرح كيف جرى استخراج ونقل وتركيب الكتل الثلاثة. ولهذا تبقى بعلبك مثالا أخر عن مدى حدود معرفتنا بتاريخ الذين سبقونا.


[s] المراجع والمصادر:

  1. UNESCO- Baalbek World Heritage Centre
  2. UNESCO/ICOMOS - Baalbek nomination documentation
  3. UNESCO - Expert Report: Temple of Jupiter Technical History
  4. Vitruvius - De Architectura, Book X: Roman lifting machines